بــــاقـــة زهــــور ورقيــــة لجبــــرا

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
30/05/2008 06:00 AM
GMT




إكتشفت في اللحظة الأخيرة وأنا أقف أمام سرير جبرا أنني أحمل اقبح باقة زهور ورقية في العالم، كان الغبار يغطيها وكان غلافها الورقي الشفاف ممزقاً في مواضع عديدة، وكانت القاعدة الجبسية التي ترتكز عليها الأزهار الشعثاء تكاد تتفتت في أية لحظة، ولكن لم يكن بإمكاني أن أفعل شيئاً وما الذي كان بإمكاني أن أفعله في موقف كهذا؟
كان جبرا يجلس على سرير المرض مرتدياَ بيجاما يتدرج لون قماشها بين الأزرق والرمادي، وقد ظل للحظات يحاول إعادة "تزريرها"، كان شاحباً ونحيفاً، بذقنٍ لم يحلق منذ أيام، بدا كأنه رجل آخر غير الذي نعرفه، ولكنه إبتسم في وجوهنا: ميسلون هادي والمصور سمير هادي وأنا، وكان تكرار إسم "هادي" على لسان ميسلون وهي تقدمنا إليه وتختتم التقديم بحيائها الأنثوي: وأنا أيضاً من آل هادي، قد أثار حاسة الفكاهة لديه فإستدرك بما يشبه النكتة: أهلاً بالفرسان الثلاثة، لم نكن بالطبع أخوة ولا من أرومة واحدة، كنا زملاء وقد جمعتنا المصادفة كي نعمل معاً لسنوات في المجلة الأسبوعية الوحيدة التي كانت تصدر في العراق خلال الثمانينيات والتسعينيات: ألف باء، مثلما جمعتنا المصادفة أيضاً في ذلك اليوم من عام 1994 لنذهب الى مستشفى إبن النفيس حيث كان الأديب الألمعي جبرا إبراهيم جبرا يرقد إثر نوبة قلبية. وقد ظل لأيام بين الموت والحياة.
كان أسمه معروفاً بشكل جيد في الإستعلامات ليس بسبب شهرته أو مكانته الثقافية أو تعدد مواهبه، فذلك ليس مقياساً لأهمية المريض في نظر موظفي الإستعلامات(ربما في كل زمان ومكان) مقارنة بالموظفين الحكوميين أو الضباط الكبار أو المسؤولين الحزبيين، بل لأن أحد أبنيه كان من أطباء المستشفى، قيل لنا أنه يرقد في قسم العناية المركزة في الطابق الثاني، سلكنا ممرات متداخلة ومررنا بردهات مرضى وبغرف أطباء وبمختبر وبصيدلية، ومرت بنا أسرة متحركة ومقاعد ذات عجلات وحشود من طلاب الطب وأشباح مرضى يتكؤون على عصي وممرضات جميلات في ثياب بيض، لم أكن أحمل باقة الزهور حتى ذلك الحين، كنا ننتظر أن يأتي السائق بها وقد تركنا له أيضا مهمة إختيارها منذ البداية من بين كدس الباقات الذي كان يستقر في مخزن المجلة، كان ذلك الكدس قد واصل نموه وتقلصه في الظلمة والغبار منذ زمن بعيد، وقد أصبح أمراً معتاداً في تلك السنوات أن يتهادى الوزراء ومسؤولو الحزب ومدراء الدوائر والموظفون الكبار باقات الورد في المناسبات الرسمية والأعياد، وبالطبع فإن ذلك التقليد الطاريء لم يكن يستلزم قواعد صارمة تتحكم في سياقاته، إذ كان تكفي أحياناً بضعة أوراق ترتكز على أسلاك ملفوفة بأشرطة ملونة تم ترتيبها بشكل إعتباطي داخل كيس من الورق الشفاف وتتوسطها بطاقة مطبوعة تحمل أسم من قام بإهدائها لتفي بالغرض، كان الباقات الواردة تجد طريقها مرة أخرى الى مسؤولين آخرين في المناسبة التالية على جدول المناسبات الحافل بعد أن تُخلع عنها بطاقات من قاموا بإهدائها وتستبدل ببطاقات حائزيها الجدد، وكان بالإمكان وصف تلك العملية بدورة الزهور الورقية في دوائر الطبيعة، لم يكن هناك جديد بين تلك الباقات، كانت تتكرر من مخزن الى آخر بغبارها وموتها الرمزي وقبحها، كأنها دليل مضاف على أن جسد النظام كان يحتضر وأن روحه كانت تتهشم وتتآكل تدريجياً.
استقبلنا ببرود طبيب شاب في الطابق الثاني، أوشك أن يقول لنا: لماذا جئتم؟ دخل الى ردهة العناية المركزة بعد أن قال إنتظروا ثم عاد بعد قليل، سمح لنا بالدخول بشرط أن لا نصور، عرفت فيما بعد أنه كان إبن جبرا، في تلك اللحظة كان السائق قد لحق بنا وهو يحمل باقة الزهور الفريدة وسلمها لي، لم ألحظها للوهلة الأولى، كما لم يتهيأ لي أن ألحظها من قبل، كنا في السيارة حين جاء بها ووضعها في الحيز الخلفي بين أشياء كثيرة: رزم مجلات وإطار إحتياطي وعلب كارتونية وصفيحة زيت، وطوال الطريق إنشغلنا أنا وميسلون بحديث ما، بينما جلس المصور الى جانب السائق وإنشغلا بحديث آخر، ظلت الباقة في الخلف، لم نلتفت إليها، لم ننتبه الى شكلها، مثلما لم نشارك أساساً في إختيارها، شعرت لاحقاً أنني كنت متواطئاً بشكل ما، في مخطط تم إعداده بحنكة وصبر منذ وقت طويل لكي أجد نفسي أمام جبرا في أول لقاء شخصي معه وأنا أحمل تلك الباقة، وأن لا يكون بإمكاني أن أفعل شيئاً، أو هذا ما كنت أن أقنع نفسي به أو أحاول تفسير الوقائع في ضوئه.
لم يعر أحد إنتباها كبيرأ للباقة وقد وضعتها أنا بسرعة على أقرب طاولة كأنني أتخلص من أثم، وضعتها وإستدرت الى الجهة الثانية وبدأت أنظر إليها بنصف عين، خلال الدقائق التالية لم نتبادل سوى كلمات قليلة كما طلب منا، كانت ميسلون على صلة سابقة بجبرا، أما أنا فبرغم المرات التي ألتقيتها فيها فلم يكن بينها لقاء شخصي مباشر، أبدى هو تقديره للعناية التي يتلقاها، قال أن تراكمات نفسية وبدنية وعوامل أخرى أدت الى أزمته القلبية تلك، أشار ضاحكاً الى جمال الممرضات اللواتي يحطن به وقال أنه سيكتب قصيدة غزل عن إحداهن.

كان هو جبرا الذي نعرفه، بأريحيته ودماثته وكاريزماه، لم يأخذ منه المرض المفاجيء سوى القليل، نظرت بإتجاه المنضدة التي إستقرت فوقها الباقة، تهيأ لي أنها نائية وغارقة في الظل والنسيان أكثر مما هي عليه في الواقع، كانت تنفصل عن مدارها لتدخل في دورة طبيعة جديدة
 
ربما لم ينتبه لها أحد غيري، ربما لم ينشغل بما حدث أحد سواي، ربما لم يكن الأمر كما أتخيل، ولكن أن أقف بتلك الباقة الملفقة أمام واحد من أهم العقول الثقافية العربية فهو أمر سيؤرقني لبضعة أسابيع تالية ثم سيحلق كما تحلق الأفكار الكئيبة في مدار بعيد ليختفي ثم يعاود ظهوره بين وقت وآخر.

خرج جبرا من المستشفى وسنحت لي فرصة زيارته في بيته في شارع الأميرات مع صديقيّ: الرسام عامر العبيدي والناقد كفاح الحبيب، كان جبرا قد تعافى، عادت الى وجهه تلك الحيوية الأخاذة وعاد الى عينيه ذلك البريق المشع، بدا مثلما عهدناه دائما بقامته المهيبة وبكتفيه العريضتين وجبينه الوقور، كان يرتدي سترة ذات لون بني فاتح وسروالاً من لون آخر، ويضع تحت قميصه لفافاً، ليس إتقاءً للبرد وإنما إستكمالاً للأناقة، جلسنا في صالون البيت، رأينا على الجدران لوحات قديمة له، لعلها من تجارب الحداثة الأولى في رسمنا المعاصر.

أشار هو بإعتزاز الى خصائصها والى ما شكلته من تأثير في الزمن الذي رسمت فيه، أشار أيضاً الى الطاولة العريضة التي يعمل عليها والتي تقع في غرفة مجاورة للصالة ولا أتذكر لماذا أشار إليها، هل لأن أحدنا سأله عن ما يعمله الآن أو كيف يقضي أوقاته، كانت هناك مسودات ورزمة أوراق وكتب مفتوحة وقواميس فوق المائدة، ولوحات لرسامين مشهورين تتوزع على جدران الغرفة، تشعب الحديث وتداخلت فيه الذكريات بالآراء والوقائع، لم نشأ أن نرهقه بالحديث ولكنه بدا مبتهجاً وطليقاً، وبحاجة الى أن يتحدث ويبوح بأسرار ما لآخرين، سألني: كيف حال ميسلون؟
فأجبت أنها بخير وستزوره قريباً، ذكر شيئاً ما عن رواية يعمل عليها في تلك الأيام، أبديت له أعجابي الكبير به كاتباً روائياً، خصوصاً في روايتيه: "السفينة" و"البحث عن وليد مسعود"، فبرأيي(ولم أقل له ذلك الرأي بالطبع) أننا لو حذفنا كل ما أنجزه في مختلف الحقول الثقافية والمعرفية وأبقينا على رواياته وكتابه النثري "شارع الأميرات" الذي يروي الأبعاد الأساسية لتجربته في العراق، لما إختلفت مكانته كرائد حقيقي وكمبشر بالحداثة وأحد المجددين الكبار في الثقافة العربية المعاصرة، ولكن جبرا هو أنموذج للمثقف "الكلّي" الذي ينبغي أن نأخذه كما هو، مثل ماسة متعددة الوجوه، إذ يكمن سر تألقه في تنوع مشاغله.

أصر جبرا على مرافقتنا الى الخارج، لم يكن بمقدورنا أن نثنيه أو نتعلل له بالبرد أو بالظلام، وقف على الرصيف ثم أنحنى على السيارة وهمس لي وهو يبتسم: قل لميسلون أنني كتبت قصيدة غزل عن إحدى الممرضات وسأرسلها قريباً لتنشر في ألف باء، كنت قد خمنت أنه سيقول لي شيئاً ما عن باقة الزهور الورقية، عن فجاجتها ولا تناسقها وإفتقارها للجمال، لقد أقترب مني كأنه يأتمني على سر.

في اللحظات التالية رأيناه على الرصيف، كان الظلام يحيط به من كل جانب، لوَّح لنا ونحن نغادر الى زمان ومكان آخرين، لوح بباقة الزهور المنسية، لوح لذاكراتنا التي أتعبها النسيان، لوح بأوراقه وخيالاته وعراقيته المكتسبة التي علّمت أجيالاً من الكتاب والفنانين والمثقفين مثلما تعلمت منهم، لوح مشيراً الى تاريخ معرفي يكاد يتبدد في الفوضى، تاريخ من التعايش المشترك والإحتواء والتجانس المذهبي والعرقي والروحي، تاريخ من التسامح والإنفتاح والرغبة في التعلم والبحث. أخيراً علي أن أسأل دون أن أوجه سؤالي إلى أحد: من يتذكر جبرا في هذا الزمان؟